محمد جمال الدين القاسمي
54
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
بفعل بني آدم فيتبع فيه العرف من حسابهم . بالأهلة أو بشهور الفرس . فهذا حكم ، وذاك حكم آخر . وقد ذكر تعالى هذا المعنى في آيات . كقوله سبحانه : وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [ يونس : 5 ] . وقوله : فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [ الإسراء : 12 ] . أي : من غير افتقار إلى مراجعة المنجّم وحساب الحاسب ، رحمة منه تعالى وفضلا . وإفراد « الحج » بالذكر هنا تنويها بشأنه . وقال القفال : نكتة إفراده بيان أنّ الحج مقصور على الأشهر التي عينها اللّه تعالى لفرضه ، وأنّه لا يجوز نقل الحجّ من تلك الأشهر إلى أشهر ، كما كانت العرب تفعل ذلك في النسيء . واللّه أعلم . والجمهور على فتح حاء ( الحجّ ) ؛ والحسن على كسرها في جميع القرآن . قال سيبويه هما مصدران كالردّ والذكر ؛ وقيل : بالفتح المصدر ، وبالكسر الاسم . و ( والأهلّة ) جمع هلال . وجمعه باختلاف زمانه . وهو : غرّة القمر إلى ثلاث ليال أو سبع ، ثمّ يسمّى قمرا ، وليلة البدر لأربع عشرة . قال أبو العباس : سمي الهلال هلالا لأنّ الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه ، وسمي بدرا لمبادرته الشمس بالطلوع كأنّه يعجلها المغيب . ويقال : سمّي بدرا لتمامه وامتلائه . وكلّ شيء تمّ فهو بدر . تنبيه : الجواب على الرواية الثانية في سبب نزول الآية من الأسلوب الحكيم . وهو تلقّي السائل بغير ما يتطلب - بتنزيل سؤاله منزلة غيره ، تنبيها للسائل على أن ذلك الغير هو الأولى بحاله أو المهم له . فلمّا سألوا عن السبب الفاعليّ للتشكلات النورية في الهلال ، أجيبوا بما ترى من السبب الغائي . تنبيها على أنّ السؤال عن الغاية والفائدة هو أليق بحالهم . لأنّ درك الأسباب الفاعلية لتلك التشكلات مبنيّ على أمور من علم الهيئة لا عناية للشرع بها . فلو أجيبوا : بأنّ اختلاف تشكلات الهلال . بقدر محاذاته للشمس ، فإذا حاذاها طرف منه استنار ذلك الطرف . ثم تزداد المحاذاة والاستنارة حتى إذا تمت بالمقابلة امتلأ . ثمّ تنقص المحاذاة والاستنارة حتى إذا حصل الاجتماع أظلم بالكلية - لكان هذا الجواب اشتغالا بعلم الهيئة الذي لا ينتفع به في الدين ، ولا يتعلق به صلاح معاشهم ومعادهم . والنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إنما بعث لبيان